المقدمة

 

     كتاب صوبا -  إحدى قرى فلسطين المدمرة عام 1948 في بيت المقدس

تاريخ وطن وحياة قرية (ابراهيم عوض الله الفقيه)

مقدمــــة

 

     صوبـا :

     صوبا تمثل  قرية من  بين مئات  القرى التي شطبت من الخريطة الفلسطينية عام 1948م، ورغم معرفتي أن معظم قرى فلسطين المقدسية متشابهة في العادات والتقاليد والمناخ.. إلا أني أشعر بالحنين الخاص إلى قريتي صوبا.. فصوبا اليوم أكوام من الحجارة تغطي بيوتها وآبارها وقبورها، ولم يعد أحد يعرف عنها غير اسمها، بعد أن قضى كبار السن فينا، ولم يعد لنا دليل.

    كانت القصص التي يرويها الآباء والأجداد عن البيوت التي ولدوا فيها ثم عاشوا وتربّوا على ذكراها أشبه بالخيال.. هزني الحنين والشوق لرؤيتها ومعرفتها عن كثب، وحاولت أن أحقق أمنيات الشباب الذين لم يروا هذه القرية.. عدت للمراجع التاريخية، ورصدت حكايات والدي وكبار السن بقدر ما أسعفتني الذاكرة، لكن بعض كبار السن لم تسعفهم الذاكرة في استرجاع الماضي وهم يتأوهون بالحنين والشوق والدموع، وبدأ الموت يطويهم قبل أن يحققوا أمانيهم برؤية الوطن ثانية.

    كانت الذكريات تندثر أمام الهجرة وتدمير البيوت، وأمي تروي لي حكاياتها عن شبابها وهي تخرج مع بعض النسوة إلى أطراف القرية يجمعن الزعنر والميرمية وزهور البابونج.

    صوبا لوحة فنان أكل الدهر عليها وشرب.. طويت وأصبحت ذكرى وحلم.

    إن الاهتمام المتزايد الذي يبديه الفلسطينيون بتاريخهم الخاص قبل الاحتلال وبعده، واحتفاظهم بتراثهم التاريخي والثقافي هو علامة على إرادة تأكيد الهوية الذاتية لهذا الشعب.. فحتى لا ينسى الآباء الذين يجدون متسعاً للشوق والحنين لهذا الوطن، وحتى تستمر بذور الحب في الغرس والعطاء التواصل للأبناء.. أقدّم لهم رمز الحب المغروس في أعماق التاريخ مع حب الأرض.. وذلك حتى يعود الحق، ويسترجع أصحاب الحق حقهم المسلوب قهراً وظلماً.

    وفي هذا الكتاب أخطاء غير مقصودة.. لكني أقول "من يعمل يخطئ"، فالكمال لله وحده .. وكما كتب الجاحظ يوماً " فإن نظرت في هذا الكتاب فانظر فيه من يلتمس لصاحبه المخارج، ولا تذهب مذهب التعنت ومذهب من إذا رأى خيراً كتمه، وإذا رأى شراً أذاعه".. وقد ارتأيت أن أنوّه إلى موضوع الحمائل في صوبا، فالكل سواسية، وخير ما يقال فيهم قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى".. فأجدادنا وآباؤنا هم الذين عاشوا على أرض صوبا ورووا الأرض الفلسطينية بدمائهم، وهم جزء لا يتجزأ من شعبنا العظيم الذي يتطلع بشوق إلى مسقط رأسه البعيد البعيد، ويعيش رغم الشتات والظلم الذي أصابه، على أمل العودة وتحرير القدس مسرى النبي العظيم.

    صوبا قرية فلسطينية مقدسية.. دُمّرت معالمها، ولم يبق منها إلا أثر عين.. العين تدمع والفؤاد يتمزّق ألماً، والمرء يشق طريقه بين أشجار الصبار إلى قمتها المتربعة وسط مجموعة من تلال القدس الغربية.. فلا يرى سوى بقايا بيوت عصف بها الزمن فتهدّمت، وقلاع حصن قديم تناثر بفعل القنابل، وكأنه تعرّض لزلزال مدمّر.. ومع ذلك لم يستطع العدو محو هوية أبناء هذه البلدة من تراثهم وتاريخ أجدادهم.. لهذا حاولت بعث الحياة فيهم من جديد، وإحياء هذا التراث رغم الفجوة العميقة والضياع والمتاهات التي يعيشها الأبناء في شتاتهم وغربتهم.

    ولا يسعني في نهاية المطاف إلا أن أشكر كل من مدّ  لي يد العون ولو بالكلمة الطيبة "وأخص بالذكر السيد مصطفى خليل رمان" لإخراج هذا الكتاب إلى النور.

    وأخيراً يعلم الله أني لم أبتغ من وراء هذا الجهد والاجتهاد الذي بذلته في هذا الكتاب، سوى الإسهام في إنقاذ هذا التراث من الضياع، لتستمر المسيرة التراثية التي نعتز بها ونفاخر حتى نُسلّم رايتها للأجيال القادمة، قبل أن تندثر في محيط التطور الحضاري الذي يندفع بسرعة الأقمار الصناعية نحو المستقبل المجهول.                               

                                                                        ابراهيم عوض الله الفقيه

 

 

 

 

 

  حقوق الطبع ©2017 صوبـــا. جميع الحقوق محفوظه
زوار الموقع : 331671
  تصميم و تطوير